عبد الملك الجويني
486
نهاية المطلب في دراية المذهب
فأما إذا أقر بما يوجب العقوبة ، فالذي ذهب إليه الشافعي وأبو حنيفة ومعظمُ العلماء أن إقراره مقبول ، وإن كان تنفيذ المقرّ به يوجب إبطال حق المولى من ماليَّته ، فإذا اعترف بما يوجب القصاصَ في النفس ، أو القطع في الطرف للآدمي أو لله تعالى ، نفذ إقراره ، ويحكم به . وخالف في ذلك المزني ، ولم يرَ قبولَ إقرارهِ ؛ لاعتراضه على ملك مولاه . وهذا مذهب محمد وزفر وأحمد ( 1 ) وداود . ومعتمد مذهبنا أن الإقرار حجةٌ من الحجج كالبيّنة ، فالمقبول منه ما لا تهمةَ فيه ، وإقرار العبد كذلك ؛ فإن العاقل لا يعرّض نفسه للهلاك حتى يخسِّر غيرَه شيئاً نزراً من المال ، والشاهد لذلك أن السيد على أنه المالك إذا أقر بما يوجب العقوبةَ ، فإقراره مردود لما ذكرناه من التهمة ، وإن كان لو أباح دمه صار هدراً . فالإقرار إذن في الرد والقبول يعتمد ثبوتَ التهمة وانتفاءها . ولو قدر مقدر تهمةً على بُعدٍ في إقرار العبد ، فالتهمة البعيدة غيرُ معمول بها . 3415 - فإذا ثبت هذا ، فلو أقر العبد بما يوجب القصاص ، ونفذنا إقراره ، فإن اقتص المقَرُّ له ، فذاك ، وإن عفا عن القصاص الثابت على مال ، فالأحسن تنزيل ذلك على القولين في أن موجَبَ العمد ماذا ؟ فإذا حكمنا بأن موجبه القَوَد المحضُ ، فالمال يثبت إذا عفا المقَرُّ له على مالٍ ؛ فإن هذا المال ، لم يثبت بالإقرار نفسه ، وإنما ثبت بالعفو عن العقوبة الثابتة بالإقرار . هذا إذا قلنا : موجَبُ العمد القَودُ . فأما إذا قلنا : موجبه القود أو المال ، أحدهما لا بعينه ، فإن اقتصَّ المقَرّ له ، نفذ الأمر . وإن أراد الرجوعَ إلى مالِ ، فهذا يستدعي مقدمةَ : وهي أن العبد إذا أقر بسرقةِ مالٍ ، وزعم أنه أتلف ما سرق ، فإقراره مقبولٌ في وجوب القطع لله تعالى ، لما ذكرناه . وهل يقبل إقراره في تعلق قيمةِ ما اعترف بسرقته برقبته ؛ فعلى قولين مشهورين : أحدهما - لا يتعلق ؛ فإن ذلك إقرار بإبطال مالية السيد من الرقبة من غير واسطة .
--> ( 1 ) ر . الكافي لابن قدامة : 4 / 570 ، الفروع : 6 / 611 ، كشاف القناع : 6 / 458 .